الأحد، 9 نوفمبر، 2008

خصائص الكلام

أولا: فن المعاني
يعد فن المعاني أكثر فنون دقة وطرافة وثراء، وهو يحتاج إلى جهد ذهني أكبر، وذلك لأنك به تستطيع تعليل النظم وطريقة الكلام ، واختيار العبارة ، واللفظة ، والأداة ، أو تركها.
وقبل أن نتعمق في مباحث هذا الفن فلابد أن نعلم بداية أن الكلام الذي يجريه الإنسان على لسانه أو يخطه بقلمه يكون على ترتيب خاص، وهو يتغير من إنسان إلى آخر ،وسر هذا التغير نوع الاهتمام، فالمهم عند الإنسان يقدم أو يذكر أو يكرر؛ لذا قالوا :إن ترتيب الكلام في الخارج مبني على ترتيب المعاني في الداخل ( أي في النفس )، فإذا قلنا مثلاً على صورة السؤال : أَحَضر أخوك ؟ فإنه ليس مثل أن نقول : أأخوك حضر ؟ نظرا لتغير مواقع الكلمات، بناء على تغير مراد المتكلم.
ففي المثال الأول: كانت العناية فيه عند المتكلم بالفعل، وهو الحضور أما الفاعل فإنه معروف لديه، فالسائل عنده علم مسبق بحضور أخيه، لذا فهو يسأل عن هذا الحضور الذي يجهله، أ تم أم لم يتم؟ ومادام الفاعل وهو (أخوك ) معلوما فلم السؤال عنه ؟!
أما الأسلوب الثاني فالعناية فيه بالفاعل؛ لذا قُدم في السؤال، فالحضور ثابت ومستقر عند السائل، لكن الذي يجهله هو الفاعل لذا كان السؤال عمن حضر.
وبهذا نعلم أن تغير المواقع يدل على تغير المعاني، فيجب على البليغ أن يفرق في الأسلوب بين ما قدم وما أخر، وماحذف وماذكر ... إلى غير ذلك من الأساليب التي يدرسها علم المعاني0
ومثل هذا الأمر واضح في أعظم بيان وأبلغ أسلوب ، ألا وهو القرآن العظيم، تأمل معي هذا الشاهد القرآني الذي نتبين من خلاله مدلولات تغير مواقع الكلم، قال تعالى عن هذا القرآن العظيم :-((ألم ذلك الكتاب لاريب فيه هدى للمتقين))، وقال سبحانه عن خمر الجنة: (( لافيها غول ولاهم عنها يُنْزَفون )).
فنلحظ هنا كيف جاء ترتيب كلمات هذه الجمل ؛ ( لاريب فيه)،( لافيها غول)،فمع الكتاب أُخر الجار والمجرور (فيه)، بينما قُدم مع خمر الجنة (لا فيها غول)، يقول الزمخشري: "فإن قلت : فهلا قدم الظرف على الريب كما قدم على الغول في قوله تعالى : " لا فيها غول "؟ قلت : لأن القصد فى إيلاء الريب حرف النفي، نفي الريب عنه وإثبات أنه حق وصدق لا باطل وكذب كما كان المشركون يدعونه، ولو أُولي الظرف لقصد إلى ما يبعد عن المراد وهو أن كتابا آخر فيه الريب فيه كما قصد في قوله : " لا فيها غول " تفضيل خمر الجنة على خمور الدنيا بأنها لا تغتال العقول كما تغتالها هي، كأنه قيل : ليس فيها ما في غيرها من هذا العيب والنقيصة".
ومعنى هذا أن المراد مع الكتاب في هذا المقام هو نفي الريب والشك عنه دون التعرض لغيره؛ لذا انصب النفي مباشرة على "ريب" ،ومعنى نفي الريب عنه أن هذا الكتاب في علو الشأن وسطوع البرهان بحيث ليس فيه مظنة أن يُرتاب في حقيقته وكونه وحيا منزلا من عند الله تعالى، ولم يقصد ههنا الإشعار بثبوت الريب في سائر الكتب ليقتضي المقام تقديم الظرف كما في قوله تعالى (لا فيها غول)، لأن السياق هنا للموازنة بين خمر الدنيا وخمرالجنة، فدل هذا التقديم لـ(فيها) على نفي الغول عن خمر الجنة وإثباته لخمر أخرى ألا وهي خمر الدنيا ؛ لأن تقديم الجار والمجرور (فيها) دل على القصر، أي فيها خصوصاً ، وقد حسَّن ذلك هنا أن السياق لذكر النعيم للمؤمنين في الجنان، و لاشك أن مما يسعدهم ويدخل البهجة على نفوسهم ويحدوهم إلى تلك الجنان، ويزهدهم في لذائذ الدنيا المحرمة هذا التفضيل الذي فُهم من تقديم الجار (فيها).
وبهذا ندرك المقصود من تعريف علم المعاني الذي يقول :-
(هو مجيء الكلام على مقتضى الحال )من حذف أو ذكر أو تقديم أو تأخير أوتكرار أو إطناب أو إيجاز .









خصائص الكلام

1- اسم 2- فعل 3- حرف

نظراً لكون كلامنا لا يخرج عن: اسم ، وفعل ، وحرف كان لزاماً أن نتعرف أولاً على خصائص مكونات هذا الكلام ؛ والقضايا المؤثرة فيه، لأننا بذلك ننجح في استخدام هذه المكونات في مواضعها الصحيحة، ألست معي أن من يعرف خصائص جهاز (ما) يستطيع استخدامه كما ينبغي؟ ، ويصل إلى الغاية التي من أجلها صنع! ، فكذلك الكلمات من يعرف خصائصها يجيد استخدامها، والعكس صحيح؛ لذا فلا بد أن نتعلم أهم خصائص الألفاظ حتى نطور كلامنا ، ونرتقي بأساليبنا إلى أعلى مستوى .
الاسم والفعل ( الجملة الاسمية والفعلية)
يقوم الكلام العربي على إحدى الجملتين (الفعلية ، والاسمية)، وكل منهما يتكون من مسند ومسند إليه، ففي الفعلية يكون المسند هو الفعل ، والمسند إليه هو الفاعل فمثلاً عندما نقول : ( قام محمد ) نكون قد أسندنا القيام إلى محمد ، أي الفعل إلى الفاعل.
وفي الاسمية يكون المسند هو الخبر , والمسند إليه هو المبتدأ، فمثلاً إذا قلنا : (محمد قائم) ،نكون قد أسندنا ( قائم ) وهو الخبر ، إلى ( محمد ) وهو المبتدأ.

في الجملة الفعلية: المسند هو الفعل، والمسند إليه هو الفاعل
في الجملة الاسمية: المسند هو الخبر، والمسند إليه هو المبتدأ
ويمكن اختصار ذلك بمعرفة هذه القاعدة (المسند دائماً هو الحكم؛ والمسند إليه هو المحكوم عليه) ، ولن يخرج أي كلام عن كونه حكما أو محكوم عليه، فإذا قلنا : نجح الطالب، أدركنا بأن الحكم هو النجاح وأنه محكوم به على الطالب، ولو قلنا: في البيت ضيف، لكان الحكم هو (في البيت) أي كائن أو موجود ، والمحكوم عليه هو الضيف.

خصائص الاسم وخصائص الفعل
1-بالعموم يدل الاسم على الثبوت، والفعل على الحدوث والتجدد0
فقولي : (خالد كاتب ) تدل كلمة (كاتب) هنا على أن الكتابة مهنة ثابتة لخالد؛ ولكن إذا قلت : خالد يكتب – دل الفعل (يكتب ) على أن صفة الكتابة حادثة منشأة الآن متجددة، اقتضاها أمر ما، وليس شرطا أن تكون هذه مهنته.
وحتى يتضح الأمر نذكر قوله تعالى عن داود عليه السلام:(( إنا سخرنا الجبال معه يسبحن بالعشي والإشراق ، والطير محشورة كل له أواب ))
ففرق بين مدلول الكلمتين : ( يسبحن ) مع الجبال ، و( محشورة ) مع الطير ، وكان يمكن أن يقال في غير القرآن ( مسبحات )و ( يحشرن ) ، أو( يسبحن ويحشرن) أو ( مسبحات ومحشورات ) لكن المدلول سيتغير ، والمراد هنا هو بيان القدرة الإلهية والنعمة العظيمة على داود عليه السلام ،فالتسبيح من الجبال مطلوب فيه أن يتجدد ويحصل آن بعد آن ، كلما مر على تلك الجبال، وفي هذا آية من آيات التكريم لداود عليه السلام
ولو قيل : (مسبحات) لدل على استمرارية التسبيح، مع وجود داود عليه السلام، وفي غيبته، وهو غير مراد هنا0
أما حشر الطير فجيء معه بالاسم والإفراد فقيل: ( محشورة ) ، ولم يكن ( يحشرن ) بالفعل ؛ لأن الفعل يدل على أن حشرها كان على دفعات، وهذا مقتضى الانقطاع والتجدد، والاسم يدل على أن حشرها كان جملة واحدة، ويؤيد هذا مجيء الكلمة مفردة، ولم تكن مجموعة: (محشورات)، وهذا أدل على قدرة الله ، فمن ذا الذي يستطيع أن يجمع تلك الأطيار في لحظة واحدة، في كتلة واحدة إلا خالقها سبحانه ،أما الحشر المتقطع على دفعات فقد يحصل لبعض البشر ، فسبحان مَن هذا كلامه ، وتقدست أسماؤه.
ولو نظرنا في قول الشاعر: .
لايألف الدرهم المضروب صرتنا لكن يمر عليها وهو منطلق
فقوله (منطلق) اسم، ولو عبر بالفعل وقال: (ينطلق) لما كان شيئاً ، ذلك أن قوله (منطلق) أدل على الكرم وقدمه فيهم، فالدرهم منطلق منذ القديم من قبل أن يلج الصرة، وأما الفعل فإنه يعني استمراراً لكنه منقطع ثم يتجدد، أي أنه إذا وقع في الصرة فهو ينطلق عند ذلك ولايستقر فيها.
2- الفعل يدل على استحضار الصورة الماضية وخصوصاً المضارع ، وليس كذلك الاسم ، وهذا ظاهر في قوله تعالى عن عصى موسى عليه السلام: ((فإذا هي تلقف ما يأفكون)) فلم يكن :لقفت ولا لاقفة ، لما في المضارع (تلقف) من استحضار صورة (اللقف) الهائلة ، حتى كأننا نراها الآن، وما كنا لنستحضر هذه الصورة ونستشعرها أمامنا لو قيل : ( فإذا هي لاقفة ما يأفكون ).
3-الاسم يدل على السكون وعدم الحركة، والفعل يدل على الحركة والتغير، ويمكننا لحظ ذلك في قوله تعالى :(( وكلبهم باسط ذراعيه بالوصيد)) ،فالوصيد هو عتبة الباب ، وجاء قوله تعالى (باسط) بالاسم دون (يبسط) بالفعل للتدليل على عدم الحركة؛ لأن الكلب كان على هيئة واحدة مدة ثلاثمائة وتسع سنين ، ولو كان يتحرك فيبسط يديه ويقبضهما لكان المناسب أن يقال: (يبسط)0
ومن هذا القبيل قوله تعالى عن الطير: (( أولم يروا إلى الطير فوقهم صافات ويقبضن مايمسكهن إلا الرحمن)) لماذا جاء قوله سبحانه وتعالى:(صافات) بالاسم مع الصف، وبالفعل (يقبضن) مع القبض في الآية؟
الجواب :جاء الاسم مع الصف فقال سبحانه (صافات)؛ لأن حالة الصف بالنسبة للطائر غير منقطعة فإنه إذا حلق في السماء صف جناحيه ورفعه الهواء ،واستمر على هذه الحالة حتى يهم بالهبوط عندها يقبض جناحيه ، فلما كان ذلك كذلك من الاستمرارية وعدم الانقطاع ناسب التعبير بالاسم ،إذ لو قيل: (يصففن) لدل ذلك على أن الصف ناشئ طارئ، وهذا خلاف الواقع .
كما أننا لو تأملنا لوجدنا أن الحديث عن التفكر والاعتبار كما يشعر به قوله تعالى في أول الآية ( أولم يروا ) وما يدل على قدرة الله العظيمة بقاء الطير سابحاً في الهواء ، ليس له سبب يبقيه ويقيه من السقوط إلا قدرة الله كما قال سبحانه:( ما يمسكهن إلا الرحمن).
وأما القبض فلأنه ينشأ مع الطير في حالتي الطيران والهبوط ، فيقبض الطائر جناحيه أولاً عند الطيران ثم يصفهما ثم يعود إلى القبض ثانيا عند الهبوط، لذا جاء (بالفعل ) الدال على التجدد والحدوث ، وهذا أيضا من دلائل القدرة ، حيث يوضح كيف أقدر الله هذا الطائر على التحكم بحركته كيفما شاء ، وإنما قُدم الصف على القبض مع أن الطائر أول ما يرتفع يقبض جناحيه ؛ لأن مقام الاتعاض والاعتبار يحتم تقديم الحالة الأعجب والأغرب والأدل على القدرة وهي هنا ( الصف ).


تطبيقات
ما سر التعبير بالفعل والاسم فيما يأتي:
أ – قال تعالى عن موسى عليه السلام : (( فخرج منها خائفاً يترقب)) (21 القصص)
ب- قال تعالى عن الملائكة : (( وترى الملائكة حافين من حول العرش يسبحـون
بحمد ربهم…)) ( 75 الزمر ).
ج – قال تعالى : (( قل يا أيها الكافرون ، لا أعبد ما تعبدون ، ولا أنتم عابدون ما أعبد ، ولا أنا عابد ما عبدتم ، ولا أنتم عابدون ما أعبد لكم دينكم ولي دين)) ( الكافرون ).